وضع مشروعه الفكري للنقد.. عبد الله العروي يخلق الحدث بالرباط

فطومة نعيمي

AHDATH.INFO

المغرب أهدر عقودا في سجالات عقيمة حول إشكالات هامة برزت في تاريخه المعاصر بسبب التأويل الخاطئ أو الترجمة المرتبكة وغير الدقيقة للمفاهيم المولدة لهذه الإشكاليات.

فالترجمة غير الدقيقة للعلمانية (Laïcité )، على سبيل المثال، وللدارجة (Langue courante)  كلفظين يحيلان على قضايا سجالية معاصرة، حولت مسار النقاشين، العمومي و النخبوي على حد سواء، وزجت به في متاهات السجال العقيم غير المجدي. وذلك، بسبب أن تأويلهما وترجمتهما لم تتوفر فيهما الضبطية والدقة الاصطلاحيتين اللازمتين كما لم تتوفر فيهما الحيادية العلمية والأمانة الفكرية.

هذا ما أكده المفكر المغربي عبد الله العروي، وهو ينبه إلى خطورة الانزلاقات، التي تترتب عن الارتجال والارتباك والتسرع سواء في الترجمة أو التأويل دون التحصين بالمعرفة اللسانية/ اللغوية الدقيقة ودون الارتكاز على الحيادية العلمية الضرورية في ابتعاد تام عن الخلفيات الإيديولوجية و المنطلقات المشوبة بالهواجس الذاتية والأفكار المسبقة.

عبد الله العروي، الذي كان يتحدث بمناسبة إلقائه لدرس افتتاحي بمناسبة إحداث كرسي خاص به بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، الأربعاء 8 يناير 2020، شدد على ضرورة اعتماد الصرامة الفكرية في الترجمة والتأويل بما يضمن الدقة ويجنب الانغماس في متاهات نقاشات غير نافعة وهادرة للزمن وللجهد الفكري وأكثر من ذلك كابحة للتطور والتقدم والتحديث.

وأمام حضور مكثف من مهتمين ونخبة مثقفة،  دعا المفكر عبد الله العروي، إلى منح الكرسي المخصص له، والذي تم إحداثه بتعاون بين جامعة محمد الخامس ومعهد العالم العربي بباريس، اسم "كرسي عبد الله  للترجمة  التأويل".

وشدد العروي، وهو يبرر اختياره لهذا الاسم، على أهمية الترجمة والتأويل بوصفهما يشكلان جسرا رابطا بين الواقع والافتراضي، وبين المفكر فيه والمحسوس، وبين المعنوي والملموس.

لكن العروي، نبه، في الآن ذاته، إلى أن الترجمة والتأويل كفعل سابق لها، ومثلما يصنعان تقدم المجتمعات المفكرة والمنتجة فكريا والمتطورة ثقافيا وحضاريا، فإنهما قد يكونا مسسبان للتخلف والتقهقر الفكري وكابحان للوعي وللعقلانية الواقعية بما يُعطل القدرة على مسايرة ومواكبة مستجدات العصر والانخراط في التحولات ومواجهة المتغيرات الراهنة.

 

وفي سياق تعليله لخلاصاته، ساق العروي نماذج لألفاظ، لمح إلى أنه تم تحوير ترجمتها وإساءة تأويلها عن قصد وبنية علمية مبيتة خدمة لإيديولوجيات معينة مما ورط المغرب في هدر زمني هو بغنى عنه. وأشار العروي، على سبيل المثال، إلى السجالات، التي أثارتها قضايا العلمانية والدارجة.

ودعا العروي إلى تملك الشمولية الفكرية واعتمادها منهجا في التحليل والتفكير بما تتيحه من إمكانيات كبيرة للضبط والتدقيق اللازمين لإنتاج طروحات فكرية تتوفر فيها الديمومة والاستمرارية والراهنية.

كذلك، توجه العروي بدعوة أهل الاختصاص في كافة المجالات الفكرية إلى التحلي بالأمانة الفكرية والحيادية العلمية والتحلل من الرواسب الإيديولوجية، وإلى التجديد والإخضاع المستمر للإنتاج الفكري للنقد والتمحيص وإعادة القراءة وفق المستجدات العصرية، وعدم الارتكان والاستسلام للمنجز من باب اليقين برسوخه العلمي.

وشدد العروي انطلاقا من تجربته كمفكر، على ضرورة إخضاع الإنتاج الفكري البشري باستمرار للتحليل وإعادة التمعن فيه وقراءته وفق المعطيات والمستجدات الراهنة كي لا يتم تصنيفه ضمن خانة المقدس، الذي غالبا ما يتحصن بالغيبيات والعلم الغيبي كي لا يتجرأ أحد على الاقتراب منه أو ليكون سدا منيعا أمام كل مبادرة للتغيير والتطوير.

ونبه العروي إلى أن أدوار المثقف والمنظر والمفكر لا تقتصر على أو تُختزل في وضع نظريات واستنباط طروحات  تتحول إلى أفكار جامدة وكابحة للتطور. ونبذ، في هذا السياق، التحنيط الفكري بما يزعزع أهداف رعاة التحنيط الفكري والتعالي العلمي .

وفي هذا السياق، بسط العروي مختلف الاعتراضات، التي واجهت طروحاته المتعلقة بإشكالات التاريخانية والدولة الوطنية  /القومية، والعقلانية الواقعية، والتخلف والتقدم  والقطيعة .

واعتبر أنها الاعتراضات، التي لابد وأن تجد سبيلا لتدارسها ضمن الكرسي الخاص به . إذ أوضح العروي أن الكرسي "يخص مجال التباحث والتدارس ومناقشة إشكالات ارتبطت باسمي في السنوات الأخيرة، وفضاء يوفر المراجع والوثائق والتحليلات والاجتهادات المرتبطة بالتاريخ، بالتطور والجمود، بالتقدم  والتخلف، بالاستمرارية والقطيعة، بالعقلانية واللاعقلانية، بالاستقلال والتبعية، بالدولة ىالفوضى،  والاستقلال والتبعية بالثقافة والفلكلور..".

وزاد المفكر المغربي موضحا  أن الهدف من إحداث الكرسي "ليس من أجل نشر إديولوجية بعينها بقدر ما هو لتدارس مسائل راهنة ومتجددة".

وحول جدلية الترجمة والنقل كما تضمنها مشروع  العروي  الفكري، قال :"مشكلتنا أننا نظن أن النقل يتم مرة واحدة في حين أن الترجمة عملية مستمرة ومتجددة".

وبشأن الإشكالات المستجدة في إطار الدولة الوطنية والقبيلة واللادولة..، فقال العروي بشجاعته ووضوحه الفكريين:" لا خلاف اليوم أن الإشكالات الجديدة، التي تواجهنا، تولدت في إطار معروف هو إطار الدولة الوطنية والإنتاج الصناعي والعقلانية الواقعية، فلا يتصور أن تفهم وتدرس وتعالج  في إطار عتيق، وفي إطار اللادولة، والعمران البدوي وإطار العلوم الغيبية بعبارة ابن خلدون".

ونبه العروي إلى أن مجمل الإشكالات، التي اشتغل عليها، ماتزال تتمتع بالراهنية وتجد امتدادها في مختلف الإشكالات المعاصرة من قبيل الدولة الوطنية / القومية، التي قال إنها "لم تعد مقنعة ولا مجزية " وتساءل عن بديلها. ثم طرح إشكالية الأمية والتخلف في ارتباطهما بالتدوين والنسخ . إذ لفت العروي، في هذا الصدد، إلى أن الأمية الرقمية" قد أسوا من الأمية الحرفية". وأثار العروي، كإشكال ثالث، الواقع الافتراضي، الذي تساءل عن مصدره وما إذا كان " من نتائج العلم العقلاني التجريبي أم هو من عمل سحرة موسى؟".

كذلك، أثارالعروي الحديث عن اللغة العالمة والدارجة أو العامية قائلا: "لو اجتهد من يتكلم في هذا الموضوع الحساس وبحث لاتضح له أنه وجد في الماضي وحاليا ومستقبلا فرق بين المكتوب المدون والمنطوق المتشعب".

وحسم العروي الجدل المثار حول دقة الترجمة والتأويل في معالجة النص المكتوب والمنطوق وبين اللغة والدارجة بالقول: " لكل واحد من الإثنين مقامه ومجاله وهذا ما يعرفه جيدا المتحدثون بالإنجليزية و يقبلونه ويتعايشون معه عبر الدنيا ويتعامى عنه غيرهم لأسباب خاصة بهم".

وقد أعطى عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرّباط، جمال الدين الهاني، انطلاقة "كرسيّ الأستاذ عبد الله العروي".

وقال جمال الدين الهاني  إنّ إنشاء "كرسيّ عبد الله العروي" ليس اعترافا فقط بحقّ المثقفين على أوطانهم، بل فيه تجسيد لـ"الاعتراف"، معبّرا عن الطموح في أن يمثل هذا الكرسي "منارا فكريا" للمطارحات الفلسفية وامتدادا لمدرسة العروي، قصدَ تحويل إشكالياتها إلى قضايا بحثية في الدراسات العليا والبحث العلمي عموما.

وأكّد الهاني أنّ صاحب الكرسيّ "ليس أستاذا جامعيا أو باحثا أو منظرا فقط، بل هو لساني ومؤرخ وأديب أيضا، ومفكر بمعنى الكلمة قبل كل شيء". ثم زاد: "ليست هذه مجاملة، بل هذا ما يفرضه الصدق الفكري".

وذكّر عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرّباط بأنّ العروي قد "طبع المغرب المعاصر بإنتاجه العلمي الحداثي"، مضيفا أنّ له "مدرسة فكرية بكل المقاييس العلمية، أنتجت باحثين وأطرا من المستوى الرفيع، وتؤرخ لانخراط المثقفين المغاربة وغيرهم في الزمن العلمي بتدريسِ مؤلّفاته وترجمتِها".

ووصف جمال الدين الهاني هذا الافتتاح بـ"الحدث الثّقافي الهامّ"، ونعت صاحب الكرسيّ بـ"رمز الشخصية المغربية"، و"عنصر التميّز في العطاء الفكري"، وبكونه "قامة شامخة يحق الافتخار بها"، معلّقا الأمل على "كرسيّ عبد الله العروي" في استقطاب كافّة المشتغلين، والجيل الجديد الذي يرفع تحدّي الخلف، لاقتضاء تجاوز التّلميذ معلّمَه، مع تأكيده في جزء من كلمته على أنّ العروي قد وضع "معايير ومقاييس للجَودة يصعب تجاوزها".

بدوره، قال المدير العام لمعهد العالم العربي بباريس، معجب الزهراني، إنّ هذا الكرسيّ قد أقيم من أجل "تكريم أستاذِنا جميعا". ووضع أملا كبيرا في رئيس جامعة محمد الخامس بالرباط لـ"يدعم هذا الكرسي بكل ما يستطيع"، مضيفا أن معهد العالم العربي سيدعم الكرسي بدوره.

وعبّر الزهراني عن سعادته بامتلاء القاعة بمحبّي عبد الله العروي وتلاميذه ومحبّي فكرِه وخطابه وأفقه "الذي هو أفق الحداثة والمستقبَل"، متذكّرا فعالية "تكريم شخصية رمزيّة كبيرة" نظّمت في إطار "كرسيّ العالم العربي"، بدأت بإدغار موران، ثم عبد الله العروي الذي تتوقّف عنده لأنّه "كان بمثابة التحدي الذي لم نستطع تجاوزه بعد ذلك"وفق تأكيدات الزهراني.

تعليقات الزوّار (0)