الشرعي يكتب: سكيزوفرينيا تعرقل المجتمع

بقلم: أحمد الشرعي

AHDATH.INFO

«واجب الحقيقة» آخر كتاب لطارق رمضان يثير جدلا واسعا حتى قبل عرضه للبيع في المكتبات. اختار فيه خطا أحمرا، اعتقدنا أنه صار متجاوزا، لكنه مازال يشكل طوق نجاة للإسلاميين عندما يتورطون في الفضائح : نظرية المؤامرة. يبني طارق رمضان دفاعه على المؤامرة التي حاكتها ضحاياه، واللواتي، وجب التذكير، ينتمين لثلاث جنسيات مختلفة : سويسرا وفرنسا وبريطانيا. يفترض دفاع رمضان إذا أن النساء الثلاث اجتمعن في مكان واحد لينسجن خيط اتهاماتهن. غير أنه يتناسى أن قضاء الدول الثلاثة التي تنحدرن منها، قضاء مستقل كليا.

في المضمون، يعزف رمضان على وتر التواضع « أنا رجل مليء بالتناقضات ككل البشر». قبل توقيفه، كان الداعية الإسلامية يدعو الشباب إلى العفاف قبل الزواج في الضواحي. اليوم، ينفي الرجل اتهامه بالاغتصاب، ويعترف بعلاقات رضائية، منها ما تمت ممارسته مقابل المال أحيانا، ويتوعد بطلب الصفح من جمهوره.

الأمر يتعلق بحالة انفصام جلية، تمارس على نطاق واسع للأسف في المجتمعات الإسلامية. معدل سن الزواج تأخر كثيرا، فيما مازال الخطاب الداعي للعفة هو القاعدة، مع الافتراض على أنها مسلمة تحترم من طرف الجميع. أعداد الدعاة الدينيين المتورطين، بمن فيهم الدعاة المغاربة، لا تستدعي إعادة النظر في هذا الخطاب، لأنه لا يسمح أصلا بإثارة النقاش في الموضوع، وتداعياته المجتمعية.

حالة الصحفية الشابة، المتهمة بالإجهاض، تثير النقاش على أكثر من مستوى. المجلس الوطني لحقوق الإنسان تضامن معها ودعا إلى إطلاق سراحها. عبر هذه الدعوة يكون قد لعب دوره الدستوري كحامي للحقوق، لكن المجلس لا يشرع القوانين. هذا دور البرلمان، أي الأحزاب السياسية والرجال والنساء المنتمين إليها.

كل هذه النقاشات تخنق في المهد، لأن الإسلاميين يخرجون ورقة النص الديني وتأويلهم له. الآخرون لا يبدون اهتماما لأسباب انتخابية، وهو ما يشكل انفصاما داخل المجتمعات الإسلامية، بين الشرائع والواقع. كل محرم، هو محلل في حقيقة الأمر، والأمر ينطبق على سلوكات يومية، تبدأ من شرب الكحول، مرورا بالعلاقات الجنسية خارج الزواج، وانتهاء بالإفطار في رمضان.
سكيزوفرينيا تفرمل تطور المجتمع وتحول دون بلوغه الحداثة، لأن هذه الأخيرة تحرر الفرد الذي تلغيه الشرائع الدينية. الأمر بهذه البساطة وهذا الوضوح.

القوى المجتمعية المناصرة للحداثة وحق النساء في التصرف في أجسادهن موجودة في الساحة. رفع المغرب كل التقييدات حول هذا الموضوع، والمنبثقة عن اتفاقية بكين، المتمحورة حول هذه النقطة تحديدا، وحول موضوع المساواة في الإرث. غير أن البرلمانيين المغاربة لم يتوفقوا في أقلمة التشريع المغربي مع اتفاق دولي وقع عليه المغرب. الإسلاميون ليسوا أغلبية في البرلمان، لكن الحداثيين لا يجرؤون على إثارة هذا الموضوع الحساس. المجتمع المدني يكثف المبادرات، لكنه غير مواكب سياسيا.

الإسلاميون لا يتبنون خطابا واقعيا إلا عندما يتورط المحسوبون على تياراتهم. الإدانة الموجهة لا تجدي نفعا. يجب إلغاء القوانين التي عفا عنها الزمن، واستبدالها بقوانين تتماشى و احترام الحريات الفردية. هذا التحول أصبح ضروريا وليس ترفا.

الاحتيال الفكري يرفض الوقاية من الإدمان على الكحول والتربية الجنسية تحت مسميات «الحظر»، والنتائج تأتي كارثية. طارق رمضان، المنظور إليه باعتباره أيقونة، فقد كل مصداقية، لكنه يسلم اليوم بالطبيعة البشرية «أنا رجل مثل الآخرين». وعليه فإن يعترف بأن خطابه الدعوي لم يكن موجها للناس العاديين، مادام أن الكمال لا يوجد في هذا العالم.

تعليقات الزوّار (0)