عندما يغرد المدعي العام بمحكمة العدل الأوروبية عكس الخطاب الأوروبي

ومع

AHDATH.INFO

بعرضه، صباح الأربعاء، باللوكسمبورغ، لاستنتاجاته حول سؤال " فخ " تقدمت به، لدى المحكمة العليا البريطانية، هيئة مشكوك فيها، مدفوعة من قبل الجزائر ومقرها لندن، والذي يطعن في اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، يكون المدعي العام لمحكمة العدل الأوروبية قد غرد عكس الخطاب والمواقف التي يتبناها الاتحاد الأوروبي في علاقاته مع المغرب.

لكن، هل أدرك المدعي العام للحظة واحدة أنه يخدم بذلك أجندة سياسية تهدف إلى نسف اتفاق الصيد البحري ومن خلاله، العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي ؟

ففي نظر عدد من الملاحظين، في الرباط كما في بروكسل، فإن هذه الاستنتاجات تتسم بالتبسيط الشديد حتى تكون ذات صلة بالموضوع، وبالتطرف حتى تكون منصفة. فهي تتعارض، في جميع الأحوال، مع الشراكة المكثفة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

كما أنها تجهل التفاصيل الدقيقة لقضية الصحراء، إن لم تكن قد غطت عيناها اعتبارات وحده صاحبها يعلمها. إنه انحياز مثير للدهشة من قبل مدعي عام من المفروض أن يلتزم بقول الحق، بشكل موضوعي ومستقل عن الآراء السياسية الشخصية، والتي يمكن أن يعبر عنها من ناحية أخرى !

لكن علينا ألا نخطئ : إن هذه الاستنتاجات تبقى رأيا فرديا خاصا بصاحبه. فهي لا تمثل موقف قضاة المحكمة، ولا تنطق بالحكم النهائي الذي لن يصدر إلا عند نهاية المسطرة. فمن حسن الحظ، يمكن للمرء أن يعتقد، أنه بالنسبة لرأي قانوني، فإن هذه الاستنتاجات، على الرغم من حجج مفرطة في الدقة بديهية وقابلة للنقاش من الناحية القانونية، فإنها تشير إلى جهل عميق بالوقائع وبتاريخ المغرب، وتاريخ النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، ومواقف الأمم المتحدة والقانون الدولي الذي يمكن تطبيقه في هذه الحالة.

وحسب ملاحظ مطلع فإن الأمر " ليس بالحدث القانوني ". إن الاستنتاجات، إذا ما تحملنا عناء تجريدها من حمولتها السياسية القوية التي تصور المفهوم نفسه، فإنها تتقلص تدريجيا إلى أن ينمحي أثرها. وهذا هو مبعث القلق، أن يكون لعضو في محكمة العدل الأوروبية آراء سياسية فاصلة، ذات طابع شخصي. فهل يمكن لنا أن نكون حكما وطرفا في آن واحد ؟ إنه سؤال يستحق الطرح.

ولتجاوز هذا المشكل، فإن هذا الانشغال يجب تقاسمه في قلب المؤسسات الأوروبية، التي دافعت، ولا زالت، أمام المحكمة، على شرعية الاتفاقيات مع المغرب، والذين يؤكد ممثلوها السامون بلغة شديدة الوضوح نجاعة وفائدة هذه الاتفاقيات والتي تطالب الدول الأعضاء، وعلى نحو متناقض، بتجديدها وتعزيزها.

فهل ستكون استنتاجات المدعي العام خاطئة، ومصيرها الانصهار في مناخ الوئام الذي يعمل المغرب والاتحاد الأوروبي على كتابته معا ؟ أو أنها في الواقع فكرة غامضة تطفو على السطح ؟ ففي جميع الأحوال، فإنها تدل على وجود فوضى من المتدخلين والأصوات داخل الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي يخلق كثيرا من الارتباك الذي يضعف انسجام مواقف أوروبا ويقوض أسس الشراكة القوية والموثوقة التي يطمح إليها الاتحاد الأوروبي والمغرب.

فبأي منطق قانوني، إن وجد، يمكننا إعادة وصف نزاع سياسي إقليمي، بمصطلحات لم ترى الأمم المتحدة، التي لها هذه الصلاحية، أبدا الجدوى من استخدامها ؟ بأي منطق، إن وجد، يمكننا أن نستخلص أن دولة لن يكون لها أية حقوق على جزء من ترابها، على الرغم من أن اختصاصها معترف به من قبل الجميع، بدءا بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ؟ مع من تتعاون أوروبا عندما يتعلق الأمر بكبح التهديد الإرهابي؟ مع من تعمل أوروبا من أجل مواجهة الهجرة غير الشرعية ؟ على من تعتمد أوروبا عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على السلام والاستقرار ؟ لمن تتوجه أوروبا إذا لم يكن المغرب.

وبقدر ما يجب عليهما التزام الهدوء، على المغرب والاتحاد الأوروبي أن يظلوا حذرين ومعبأين، أمام المحاولات المتكررة، مهما كانت طبيعتها أو مصدرها، والتي تهدف إلى تقويض أسس علاقاتهما والمس بموثوقية شراكتهما.

هذه الشراكة أبانت عن قوتها، وغناها ومرونتها. فطابعها الاستراتيجي لم يعد في حاجة إلى إثبات، ولطالما حظي بالإشادة، وتم تثمينه والدفاع عنه من قبل المؤسسات والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. إن اتفاقية الصيد البحري ليست إلا نموذجا من بين نماذج أخرى لهذه الشراكة المتنوعة. ونشير بالمناسبة هنا إلى أن المغرب لم يطلب يوما هذا الاتفاق، بل إن المبادرة جاءت من الاتحاد الأوروبي والذي شدد على ضرورة تجديده.

إن الاتحاد الأوروبي مدعو اليوم إلى الوقوف ضد بعض الأصوات التي تحاول المس بالأمن القانوني لاتفاقياته مع شركائه الاستراتيجيين.

أما بالنسبة للمغرب، الذي لا يعد طرفا في هذه القضية والذي لا يعتبر نفسه معنيا باستنتاجات المدعي العام لمحكمة العدل الأوروبية، فهو واثق من حقوقه، مطمئن بمشروعيته وقوي بوحدته الوطنية حول قضيته المقدسة.

تعليقات الزوّار (0)